ساحة حرة
الاثنين 20 يناير 2020 10:50 مساءً

مائة يوم على اعتقاله .. مهدي المنصوري قصة معاناة إنسانية في شبوة تجاهلها الجميع

صالح مساوى

في إحدى قرى مديرية جردان تسمى (برك) حيث ولد ونشاء وعاش، بين الحقول الزراعية الخضراء، والهواء العليل الذي تتمتع به أرياف محافظة شبوة، وفي كنف أسرة اشتهرت بالعمل الجاد والدؤوب من أجل توفير حياة كريمة لافرادها، وفي مجتمع يتسم بحبه للسلام، والإخاء، لم يعرفوا غير الاهتمام بالزراعة والتجارة، وحب الخير للناس، في هذه القرية الجميلة التي تعانق حصونها السماء، وتغرد عصافيرها الجميلة، في مواسم قطف الثمار بالحانها العذبة، حيث رأى الأستاذ مهدي ناصر المنصوري النور للمرة الأولى في هذه الدنيا، وتربى وعاش طفولته، البرئية بعيدا عن صخب الحياة، وعن ترفها، كانت له أمنية طالما وراودت خياله الطفولي، في أن يصبح معلما، كي يزيح الجهل عن أبناء قريته، ويساعد في انتشال واقع التعليم المرير في منطقته، وبجهد كبير، وباصراره الذي عرف عنه، ابى إلا أن يحقق امنيته تلك، وأن يصبح معلما في مدرسة قريته (برك) وبعد سنوات من التدريس ومن النضال في الجانب التعليمي والمعرفي، تخرج على يديه وزملائه من المدرسين، أجيال وأجيال من الطلاب ممن يحملون العلم والمعرفة.


ترقى الأستاذ مهدي ناصر المنصوري إلى مدير للمدرسة، ومن موقعه الجديد واصل جهوده في مجال رسالة التنوير والعلم والتعليم لتلاميذه.

دفعته ظروف الحياة الصعبة، التي عاشها وعاشتها البلاد في زمن الحرب ان ينتقل إلى مدينة عتق مركز محافظة شبوة، ليواصل رسالته النضالية السامية من هناك، كقيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي.


في إحدى ليالي أكتوبر من عام ٢٠١٩م وتحديدا في تاريخ ١١ من الشهر ذاته وبينما كانت الأسرة تركن للنوم، وتعيش اجواء السكينة والطمأنينة في جوف الليل الحالك، في شقتها المتواضعة، عندما قررت قوة أمنية اقلاق سكينة تلك الأسرة، وتعكير صفو الطمأنينة التي تتمتع به، وفي منتصف الليل، طرقت باب الشقة اياد ثقيلة، قاسية، بقسوة قلوب أصحابها ، في مشهد رعب لا نراه إلا في الأفلام البوليسية المرعبة.


الأسرة ليس لديها عداء مع احد، وليس لها خصوم، وعلى مجرى المثل : اليد التي لم تسرق؛ لا تخاف، طلب من ولده الصغير ان يفتح الباب، وعندها تم الاعتداء على الطفل، وتكميمه، ومحاولة اسكاته حتى لا يسمعه والده، لكي يدخلوا في غفلة إلى الشقة، إلا أن حس الابوه كانت حاضرة عند الأستاذ مهدي، وبادر للخروج لمعرفة الأمر، وتفاجئ ان عشرات الجنود يحيطون بولده عند الباب، وما أن رأوه حتى تداعوا إليه ليعتقلوه، بدون مذكرة اعتقال، أو أمر من النيابة، وبدون أي مسوغ قانوني امتثل للأوامر لانه يعرف براءته، ويعرف ان ليس لديه ما يخفيه، وفي موقف يريد ان يثبت فيه انه مع سلطة ما يحسب انها (دولة) لكن في الحقيقة كان مخطيء في موقفه ذلك، عندما ظهر جليا ان من اعتقله ينتمي إلى ( إلا دولة).


لم تشفع له توسلات والدة التسعيني، أن يتركوا له فلذة كبدة، ولم تشفع توسلات اطفاله ودموعهم وهم يرون الغرباء يكبلون ايادي والدهم أمام أعينهم البرئية؛ التي لا تعرف الا براءة الطفولة وسمحاتها.

انزلوه مع شقته مكبل اليدين الى اطقم كانت تنتظرة في الأسفل وحول العمارة من كل الجهات، وتم وضعه في سيارة خاصة وانطلق موكب يتكون من خمسة اطقم بالأستاذ مهدي إلى السجن المركزي، وهناك تم وضعه في زنزانه انفراديه لمدة يوم كامل، وبدون أي تحقيق، أو اخباره بسبب الإعتقال، ظن خيرا عندما وضعوه في هذا السجن الذي اعتبره سجن قانوني، ومن الممكن أن يطلقوا سراحه بعد أن يعرفوا براءته، لكن ظنه خاب، بعدما ظهر لاحقا ان القائمون عليه ليس لهم صله بالقانون، ولا بالأنظمة، او اللوائح القضائية.


وما كان من زبانية الامن الا ان نقلوه إلى سجن آخر سري، وغير قانوني، يقع في المعهد التقني غرب مدينة عتق، الذي تتخذ منه القوات الخاصة مقرا لها، وهناك دخل في فصل جديد من المعاناه، وسوء المعاملة، والحرمان من الزيارة، أو الإتصال، وقضى أكثر من شهر في زنزانه هي عبارة عن قبو ارضي لا منافذ، له ولا ضوء ولا تهوية، ولا دورة مياه، وتسكن معه أنواع شتى من الحشرات والقوارض والصراصير، وتتكدس فيه المخلفات الآدمية وأكياس وبقايا الأكل، قبل أن يتم نقله إلى زنزانه أخرى التي لا زال فيها حتى اليوم.


لم تتوقف معاناة المنصوري عند هذا الحد وحسب؛ بل تجاوزتها، حيث تم تفتيش منزله من قبل القوات الأمنية، وصادروا جوالاته، وكمبيوتره الشخصي، الذي يحتفظ فيه بالكثير من الصور والوثائق والملفات الخاصة بالمدرسة.

ثلاثة شهور قضاها الأستاذ مهدي المنصوري خلف القضبان، اختزلت قصة معاناة إنسانية، سكتت عنها الأقلام، وتجاهلتها المنظمات الحقوقية والإنسانية، ولم يلتفت لها أحد، في وقت كثر فيه المطبلون، والمتشدقون بالانسانية.


مهدي المنصوري سيخرج يوما منتصرا لا محالة، وسيعطي الجميع دروسا في الوطنية، والنضال، والكفاح، والصبر، والعزيمة.

سيكشف الحقيقة ... سيعري الزيف الذي فرض على قضيته، ويكسر حاجز التعتيم، وسيلقن خاطفوه، ومعتقلوه دروسا، لن تنسى، في معنى النضال، والشجاعة، والبطولة.
سيخرج بكل تأكيد ذات يوم وستحتفل أسرته واولادة، ويبتهجوا بنيله حريته، وانتصاره على عتاولة الفساد، والاستبداد.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2020