ملفات وتحقيقات

سيلة الشيخ عثمان يسكنها القادمون من الجبال أبناء المملكة المتوكلية اليمنية .. فأين كان يقطن سكان عدن الأصلييون ؟!

الثلاثاء 07 يناير 2020 05:15 مساءً (عدن الغد)خاص:


عدن الغد تنفرد بنشر مذكرات ( الطريق إلى عدن ) الرئيس علي ناصر : الحلقة ( السابعة والثلاثون )

 متابعة وترتيب / الخضر عبدالله :

 القرب من عدن

 قضينا بعض الوقت في العماد بما يكفي للراحة ولتناول الطعام وشرب الماء.. فقد تضاعف حماسنا ونحن نقترب من عدن لكي نشد الرحال والذهاب قبل المغيب لنصل السيلة في "الشيخ عثمان" محطتنا الأخيرة في هذه الرحلة الجميلة والمضنية في آن واحد.

وحي الشيخ عثمان كان في بداية القرن السابع عشر عبارة عن مزار ديني للولي الشيخ عثمان (عثمان بن محمد التركي) المقبور فيها، وسميت المدينة باسمه.
ويؤكد الرحالة الإنجليزي هنري سلت الذي زار المدينة في عام 1809 م، وهو في طريقة إلى لحج يشير أن هناك كانت لا تزال غابة كثيرة الأشجار بجانب القرية وقبة الولي، وتمتد المساحات الخضراء إلى عشرات الكيلومترات تشكل مرعى رئيسي للأغنام والجمال التي كانت تشاهد في كل أنحاء الغابة.

كانت أشجار "السيسبان" (الماسكيت) تنتشر في الطريق.. وهي أشجار لها قدرة عجيبة على تحمل الجفاف الحر والشمس والملوحة. وبين الأشجار وحولها بنيت بعض المنازل من الطين والقش بطريقة عشوائية ويسكنها سكان الجبال القادمون من أبناء المملكة المتوكلية اليمنية وأبناء المحميات.. وعندما سألت عن هذه البيوت المتداخلة قيل لي أنها "الشيخ الدويل".

 أشعار وأهازيج

ونحن في الطريق خطر لي أن هذه الرحلة لن تكتمل روعتها من غير أن يتخللها الحديث عن الشعر والشعراء في دثينة وبلاد الفضلي، فصورة هذه الأرض لا تكتمل ولا يمكن أن تعرفها وتعرف أسرارها الخفية ومعاناتها الحقيقية من غير أن تطّلع على شعرها.
قلت لهم:
- أسمعوني بعض ما تحفظونه من الشعر..
رد أحدهم:
- يا إبني أيش تشتي من هذا الكلام؟
لكن العم سليمان قال:
- شوف يا بني.. كان أبرز شعراء المنطقة في بداية هذا القرن علي رامي وناصر عبدربه مكرش المشهور بـ"أبو حمحمة" وسالم صالح الفطحاني وعلي هادي ومحمد عوض "المشطر" ومنصور عشال وامسعيدي وجازع امفرحان وجازع مسعود وكعدان والدماني والجرو والخدش وغيرهم كثيرون.
وأضاف : التقى بن رامي مع (أبو حمحمة) وجرت بينهما هذه المبارزة الشعرية الطريفة:
بو حمحمة:
بارك وثاني يا الثلاث أتوكلي
والرابعة والخامسة والسادسة مسدوس
علي رامي:
الواحدة والثانية تتقلقلي
والثالثة والرابعة والخامسة مخموس
بو حمحمة:
عشرين في عشرين يا رامي علي
خمسين في ستين لا قد نسنس النسنوس
سبعين في ثمانين با تتهلهلي
تسعين توفي المية با تكبس على المكبوس
علي رامي:
كم لي ونا داعي في الخبت الخلي
الي(غلي)متى بقبض على العلواني الدهبوس
أنا محتبي برع وناصر داخلي
الله يصيبك يا علي في لونك المكسوس

قال برطم: الله اكبر على بوهم والله إن كل واحد منهم أحسن من الثاني.
لكن ايش رأيكم لا سمعتكم من شعر يحيى عمر؟
قال العم سليمان: ونعم يحيى عمر هات يا برطم
قال: يقول يحيى عمر:
بومعجم يقـول العشق حالي
لكــن عاد له نزلة وطلعــة
وله أيضاً سهر طول الليالي
ودمع العين دمعة فوق دمعــة
ومن حب الصبايا لا يبالي
ويخضع للهوى الفيــن خضعة
ولايختاف من طعن النصالِ
ولا تدخل معه في الـقلب فزعة
أنا يا أهل الهوى قل احتيالي
حبيبي ما أعترف لي كيف طبعه
ملكني هاشني زين المشالي
وقطّع مهجتي ســبعين قطعة
وأنا المملوك له حالي ومالي
وكلي سرت فـي طاعه وسمعه
قوامه مثل لغصان الطوالِ
سقى الله طينها من كـل فرعة
وله عينين صنعة ذا الجلالِ
تماوج دمعها كرمــة بكرمة
جبينه مثلما ضوء الهلالِ
يعاند بالمســـامر كل شمعة
وريقه طب لكباد العلال
عسل جردان صافي وسط شمعة
وعنقه مثلما عنق الغزالِ
نكع من قانصه عشرين نكـعة
وقال يحيى عمر:
يحيى عمر قال للعشقة فـــنون
ما هي بمـن قد تعطر وانتقش
والعشق ماهو بدحراج العيــون
و الا لمن قد كثر فيــه البَلَش
بحر الهوى راح به كم من زبون
ذي بات يدحق على رأس الحنش
و بات يقطف من أخبار الغصون
زهر البسـاتين ذي يطلع غبش

وقال يحيى عمر:
يامن جدعك له أربعة ينســعون
وأربع يلفون جعدك لا أنتـفش
وأربع يصفون وأربع يرصــفون
وأربع يرشون لك بالعطر رش
وأربع يحنون وأربع يحجـــرون
وأربع يقولون قم سـيدي تمش
وأربع يجيبون لك مبــخر دخون
وأربع ينادون لك مـثل الشوش
وألفين وأربعمائة دي يخدمـــون
سندي وهندي وجملتهـم حبش
خضعوا لك الناس ذي ما يخضعون
شجعان وأهل البنادق والنـمش
ويبدو أن الكلمات الرقيقة في الحب حركت أشجان العم سليمان الذي تذكر هذه القصيدة الجميلة لبن رامي:
بن رامي علي بالله توكـــل
بربّ العرش حكّـــام الدعية
وبن رامي يقول لي قلب يشـعل
وباب العشق من فكّـــه بليّه
نظرني صاحب الطرف المكـحّل
من الروشــان يتفرّج عليه
وساعدني علـى مطلع ومنزل
على صوت الطرب والأرمـنيّة
وقطّعني قطـع من كل مفصـل
وقلقلني فيَ المقـــلاء قليّة
ويا طارح على لكعاب مـلمل
وفوق الخدّ نقـشة سمــبليّة
و رمّانة معه في الجنب لشمل
وليمن فيه تفاحــــة طرية
ومدّ اليد والـــرجل المحجّل
وكلّمـــته ولا جوّب عليّه
وقلت الفت علـي باللّه تجمّل
ونا باموت وين القبــر ليّه
وقال القبر لك بين السـفرجل
ومن تحت الزرار أسكن شويّة
ونار العشق في قلبي تكـلكل
ولا هي من فــؤادي منطفيّة
مع غُمري فيَ الروشان بُلبُل
وسوّى بي على لضـلاع كيّة
كلامه مثلما قهـوة معسّــل
عليها من عسـل صافي بقيّة
فلنطة(1) بو خشب ميزر مسيّل
جناح العصر بن رامي لقيّه
وشلّ العقل من راسي وبدّل
وضيعت الجمــاعة والفقيّة
أنا شيبة ومن راسي تقوّل
على أذوال الغصون الرازقيّة
ومن هو زين له زامل ومهجل
ومن هو خام ما يسوى وقيّة
وصلّوا عالنبي في كل محمل
لانّه كســّر الكفر القويّة
عدد ما ينزل الماطر وهطّل
وتصبح كل مجـدوبة رويّة

وقال الشاعر بن رامي علي:
يا الله يا سامع تغاريد كل ديك
لا صاح نص الليل تغريد تفطنه
يا موثق الطير على أرياشه الحريك
بأرياش ينفضها وبأرجيل طنطنة
يسرح بعز الخالق المالك المليك
والنوب مسراحه وماواه موطنه
يقول بر رامي علي وقتنا عبيك
عبيك معبوكات عبكة معبكنة
لا تأمن امصاحب ولا ترتكي بخيك
ولا كلام امصدق تلقاه مسكنه
ومن حلف لك عهد لازم يعيب فيك
لا شاف عدات امدراهم معكنة
ان كان لا نته لا لفيته ولا لفيك
يضحك ويلعب لك وهطفاه مشحنة
يا وقتنا العياب خانك وعاب فيك
يا دي عدم فيك الرضى والمراكنة
ولا قدك مبرور من ذنب والديك
اسجد وسبح لا ثيابك مصبنة
حتى ولا حجيت لا مكة المكيك
ذنبك على جنبك ذنوب المخاينة

ويقول عن الشعر الغنائي :" ولا يمكن أن تكتمل صورة الشعر الغنائي دون أن يعرج الحديث الى فن الغناء في لحج، وهو يومئذ ولا يزال حتى اليوم الاكثر عذوبة وجمالا وشجنا ودقة في الوصف في الجنوب واليمن كُله.. وكان "القمندان" يقف على رأس هذه المدرسة الغنائية الرائعة ولايزال .

وأثناء الحديث عن لحج والحوطة ونحن نقترب من حدود السلطنة العبدلية في الطريق إلى عدن, قال أحمد مسعود برطم أن العوالق كانوا يعشرون الحوطة وأبين وبيحان ومروحة مستشهدا بقول الشيخ رويس بن فريد اليسلمي العولقي عندما ذهب العوالق ليعشرون السلطان العبدلي:
قال الصليب (2) ابن الصليب العولقي
ما أحد في الدنيا صليب إلا أنا
بيحان نعشرها ونعشـر مروحـة
والحوطة العليا (3) وذي حلّوا بًنا
فرد عليه احد شعراء العبادل وقال:
حيا بكم يا ذي ولبتو عندنا
في حصن مبني من السمنت والنورة
شف عادني با قول هكة في هكة
لا تحسبني سمن في قــــــارورة

فضحك العوالق على هذا الرد..

وقال السلطان العبدلي: من اين جاء هذا الأهبل ليرد على العوالق؟
من سيرد عليهم كما يجب سأعطيه بندق ورصاص وفلوس.
فخرج شاعر من ال باكازم كان موجوداً في بلاد العبادل ورد على الشيخ رويس اليسلمي بالقول:
قل للصليب ابن الصليب العولقي
ذي مركزه واني وعظمه قد ونى
من بـاع خوته بالقروش الفليـة
لا يعشر الحوطة ولا يعشر (4) بنا

وأخذ البندق والرصاص والفلوس لكن العوالق قاموا بقتله في العرقوب على هذا الشعر.
ويبدو أن حديث الشعر والشعراء استغرقنا حتى إنني شاهدت من بعيد بيوت دار سعد التابعة للسلطنة العبدلية وعاصمتها الحوطة.. ودار سعد نقطة جمركية تجبى فيها الضرائب لصالح سلطان لحج. وقال أحمد مسعود أن دار سعد تابعة "لابوي" عبد الكريم فضل..
ولم أسأله لماذا قال (أبوي عبد الكريم) لكن يبدو أن تلك كانت من الأمور الشائعة, حيث أن الرعية تعظم الحاكم.. المهم أن دار سعد أو (دار الأمير) كما يسمونها تابعة لسلطان لحج العبدلي وهي على حدود مستعمرة عدن، واستحدثت فيها فيما بعد نقطة عسكرية تسمى "نمبر6"

أخذت السعادة تدب في قلوبنا ونحن نقترب من (السيلة) حيث سنحط رحالنا في محطتنا الأخيرة في مدينة "الشيخ عثمان" بعد رحلة عناء طويلة ولكن جميلة.
هاهي عدن أخيراً..! أو كما كان يسميها الأجداد "بندر عدن" أو "بلاد أحمد السركال"، المدينة التي تجعلني مبهوراً ومعجباً بكافة جوانب الحياة فيها المليئة بالحركة والنشاط، الزاخرة بما يبهر العين ويسر النظر.
وهنا تذكرت طرفة حين كان الأطفال القادمون من "نمبر 6 " من لحج ينهقون كالحمير كي يسمح لهم العسكري الواقف في مدخل الشيخ عثمان (نمبر ستة) بالدخول إلى بلاد السركال وكما هو الحال عند مشاهدة أبناء المحميات البحر لأول مرة من العرقوب ينهقون كالحمير. كما ورد آنفا.
وهي مطلع أغنية جميلة غناها الفنان احمد قاسم وكانت تذاع من اذاعة عدن باستمرار.

 ---------------------------------------------------------

هوامش /

1-فلنطة تعني بندقية .
2-الصليب: تعني الشجاع
3 - الحوطة العليا: ويقال الحوطة الرعنة، ويقال ان نفوذ العوالق وصل الى الحوطة عاصمة الدولة العبدلية، وكانوا يأخذون عشوراً (ضريبة) سنوياً منهم، وأنهم رفضوا ذلك بعد مقتل الشيخ أبوبكر بن ناصر بن فريد، وهجمت قبائل العوالق على لحج وقال الشاعر:
يا معن والدولة وجيش المحجري
هدو بنا والزج من فوق القدم
انتم لكم نوبة حمادي وأهلها
واحنا لنا دار عبد الله وثم
4- ضريبة


تعليقات القراء
435266
( الغربة ) | (( علي أبووضاح ))
الثلاثاء 07 يناير 2020
(( وخلف الأكمة دموع الثكالى لاتزال تذرف و أشباح الموتى تصرخ .. و الشاهد الصامت شريكاً في الدنيا ٠٠و ناطقاً في الآخرة .. الكاتب :كان يوماً عنصراً مهماً و شاهداً لأحداث دامية ٠٠أفضت لضياع الجغرافية و التاريخ و الحقوق و النفوس ٠٠ قبل و اثناء و بعد الجلاء ... المقبورون و المخفيون لم تأتِ الأطباق الطائرة لأخذهم ٠٠ بل أيادي الزمن الدموي الرخيص قادتهم الى الهلاك بغير ذنب !! والأيادي نفسها حركت المركبات و حفرت ٠٠و دفنت ٠٠و مزقت٠٠ و أحرقت الجثامين .. كيف و أين ذهبت و غابت تلك الأيادي ..؟؟ =========================================================================== الكاتب بصفته قائداً مرموقاً سابقاً كما يعتقد شخصياً !!! لماذا لا يفتح فمه و قلبه ؟؟ و يجعل قَلَمِه يسكبُ حبراً نقياً ليُقدم للتاريخ المُلوث بدماءِ الأبرياء - و للأرامل و الأيتام و للأجيال و الأحفاد شهادة ينتظرها الجميع ..!! ليرصف و يفرش الطريق أمامه و خلفه حتى لا يموت حزيناً !! و جرائم أقران الكاتب والحكام وقادة الدول والحكومات لا تسقط بالتقادم }}[[ والتوثيق التاريخي مصداقية من صميم الواقع المبتسم ]] [[ والبسمة في الجنوب غابت منذُ(نوفمبر 1967)الظلام [رُبَّ قَائل٠٠ ماضٍ ] [[ ألمَاضِي لَيسَ حَجَرَاً صَامِتَاً ٠٠٠ هو حَي كَانْ هو حَيٌ ألآن ٠٠]]


شاركنا بتعليقك