ملفات وتحقيقات

الفـنان الكبـير/ محـمد عـبده زيـدي في ذكرى ( 26عاماً ) على رحيله قراءة نقدية في أغنية (ورأسك)

الاثنين 23 ديسمبر 2019 05:28 مساءً عدن ((عدن الغد)) خاص:


 

بقلم الفنان /عصام خليدي

قدم الفنان الكبير محمد عبده زيدي في غنائياته شخوصه وعناصره وأدواته الابداعية مستنداً على محورين هامين الأول يصبُ في خدمة النص الغنائي بإضافات مبتكرة لجمل لحنية ذات أبعاد ورؤى موسيقية جديدة متنوعة المقامات والايقاعات، والبعد الثاني جسد من خلاله قدرته الفائقة وتألقه في التعبير النغمي الدرامي وتوظيفه لخدمة انفعالاته وأحاسيسه ومشاعره المتقدة المتدفقة الجياشة بشكل متناغم نابض وحي، إذ أنه اتبع منهاج وأسلوب سيناريو القصة التي (تقرأ بالأذن) معتمداً على ملكاته وأدواته الموسيقية الهائلة، فتبدأ الأحداث في أغنياته وتتصاعد (بحبكة درامية موسيقية) وتنتهي بالنهاية التي يختارها من واقع تجاربه الحياتية..

سنتطرق في هذا السياق لأغنية شكلت نجاحاً وحضوراً هاماً في مشهد الغناء اليمني المعاصر، (ورأسك) نسمع الناس في (عدن) الصغار والكبار يحلفون بهذه الكلمة في اليوم الواحد عشرات المرات، للتدليل على صدقهم، أو صدق أفعالهم خاصة إذا أحسوا بأن الطرف الذي يخاطبونه يشك في صدقه، لكن ولاخطر لأحد منا، أو حتى من الشعراء قبل مصطفى خضر أن هذه الكلمة العادية، المستعملة في المتداول اليومي يمكن أن تصلح مطلعاً لأغنية جميلة ومن هنا نلاحظ أن ميزة الشاعر، أنه يستطيع أن يستخرج السر الكامن في روح اللغة / اللهجة / الكلمة ، رغم أن الآخرين يعيشون معها طوال الوقت، ويستخدمونها في كل لحظة في متداولهم اليومي، لكــــــــنها لاتـــــــعني لـــــــهم أكــــــــثر مــــن مــدلــولـــها الظـــاهــر حين الاستخدام أما الشاعر فإنه يقدر أن يجعل من الكلمة والمفردة العادية التي لاتثير إهتمام الآخرين شيئاً أخاذاً يثير الدهشة في نص شعري غنائي يعجب الناس كأنهم يسمعون بها لأول مرة، وسوف تكتسب هذه المفردة العادية معنى جديداً من راهن قراءتها في صورتها الشعرية الجديدة التي منحها إياها الشاعر مصطفى خضر وهو يقول:

((وراسك أنت أول حب/ أنا أخلص له من قلبـي/ وأشـعـر به بأنـــه حقــيقة/ مــش أوهـــام تلــعب بي/ كــفــاية ما لعب بي الوهم/ وخلانا أعيش في عذاب/ وبعــد الأنـــه والآهــات/ عرفت أني أحب سراب)) ..

وكأن مصطفى خضر يقول لنا في هذا النص، وفي سواه من نصوصه الغنائية التي كتبها باللهجة العدنية، إن كل شيء يمكن إعادة صياغته ليتوالد من جديد داخل واقع النص الشعري، وفي متواليات لانهائية من الإعادات والإضافات لترتيبها ترتيباً جديداً، بفيوضات ذهن أو مخيلة، وبلذة قراءة لنص محتمل جديد ..

((لكن حبك علي جــديـد/ في إســمه في شــــكلــه/ ذي كلمة حب قليلة عليه/ ياريت في كلمة تصلح له/ أقولــها لــك بكـــل حنـــان/ وأعيشها كل يوم مرات)) ..

التحليل المقامي والإيقاعي

أستطاع الفنان محمد عبده زيدي بإقتدار شديد أن يجعـلنا نعيش ونحس هذه المقدرة والامكانية من خلال بناءاته اللحنية الرائعة الباذخة بترداده لكلمة (ورأسك) التي تبدأ بها الأغنية، مرات عديدة كمحور لمطلع الأغنية، وللنص بمجمله، واعطائها (وإعطائه) حياة متجددة يتجلى في ظاهره وباطن المعاني الرؤية التي تتضمنها هذه الكلمة(القسم) فكان اللحن متناسباً في لغته التعبيرية الدرامية الموسيقية الفنية، ومعبراً عن بعدها الذي (سما) بها في نطاق المتداول اليومي العادي إلى مصاف الشعر الغنائي، وهذا التردد لمفردة (ورأسك) في مطلع الأغنية وفر وبين جلياً درجة عالية من التوازن الجمالي الذي يبدو أنه وراء العذوبة اللحنية التي تجعل المستمع في حالة حضور وجداني (ونشوة فنية نادرة) مما يضع الفنان (الزيدي) في مصاف الملحنين القلائل الذين يمنحون الكلمة والأغنية عموماً قدرات (تعبيرية، تصويرية)، درامية وإضافات موسيقية إيقاعية ونغمية، ودلالات وروئ (إبداعية إستثنائية) تعكس النفس اللحني والأبعاد الجمالية لهذا الفنان (العبقري) الذي يُعد ضمن قلة من الملحنين ليس على مستوى اليمن وحدها بل على المستوى العربي الذين تبنوا (عنصر التصوير والسيناريو الدرامي في المضمون الجمالي للأثر الموسيقي) فوق أنه يجمع في الحانه بين عنصري (التعبير والتطريب) ..

وربما كان من المهم الاشارة أن مصطفى خضر كان في إختياره المفردة العادية، واشتغاله على اللهجة في العديد من أغانيه إن لم يكن كلها يتتبع خطى أستاذه الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان، صاحب الباع الطويل في هذا المجال ، إذ عُرف عن المرحوم لطفي اهتمامه بالنص البياني الذي يخدم الموضوع أو الحدث، والنص الجمالي الذي يخدم الابداع، والنص التقني الذي يخدم النصين السابقين، البياني والجمالي وقد أبدع الفنان الراحل محمد عبده زيدي صاحب الدراما الموسيقية اليمنية في وضع لحن أغنية (ورأسك) فـلحن المقدمة الموسيقية على مقام(النهوند)، واستخدم فيها الايقاع(المقسوم4/4) ليبدأ الغناء على مقام (النهوند على درجة الدو) ومما يجدر الاشارة إليه أنه خلال الغناء بالمذهب يتغير وزن الايقاع إلى وزن(4/4 الوحدة الكبرى) وفي الكوبليه ينتقل الزيدي إلى مقام آخر يسمى (البيات على درجة الصول) في هذه الأبيات (حياة روحي أنا أقسمت بحاجة أغلى من روحي) ثم ينتقل إلى مقام (الحجاز على النوى) في المقطع الذي تقول كلماته(ورأسك أنت أمالي والآمي وأفراحي) ليعود مرة أخرى إلى مقام (البيات على النوى) في هذه الأبيات: ( أنا ماحلمش بشيء ثاني ذا حبك كل ما أتمناه، ولافكرت ولامرة بأنه حقيقة ) إلى هنا لايزال لحن المقطع على مقام (البيات) لكن الزيدي وبمهارة فائقة يفاجئنا بانتقاله إلى جنس مقام(الصبا) في (مش أوهام، ورأسك) ..

وفي الكوبليه الثالث والأخير ينتقل الزيدي إلى جو مليء بالتفاؤل والبهجة والفرح فيستخدم الايقاع (الشرحي العدني8/6) فيتحول بإمكانية الموسيقى البارع المحنك والمقتدر إلى مقام جديد هو مقام (الهزام على درجة مي) في المقطع الذي يقول: (يازهرة في ربيع عمري/ يافجر جديد يصحيني / ياشمعة نورت ليلي / ياأحلى لحن يشجيني.

كلمة لابد منها

أن فقدان ورحيل المبدع الخلاق الزيدي بما يحمله من قيم جمالية إبداعية عظيمة راقية يُعـد خسارة فنية فادحة لايمكن تعويضها على الاطلاق ونحن بدورنا كمهتمين نُـذكر ونلفت عناية الجهات المعنية بذكرى وفاته التي مرت علينا بتاريخ 26 ديسمبر1993م وماهي إلأ أيام معدودات وتعود علينا ذكرى رحيله السنوية ومضي ما يقارب ( 26 عاماً ) منذ أن فارقنا (الفنان الصادق والإنسان) محمد عبده زيدي المبدع الذي( ظلم حياً وميتاً) ولم تلتفت إليه القنوات والمؤسسات الرسمية ممثلة (بوزارتي الثقافة والإعلام) أو (إذاعة عدن) الذي أفنى جل عمره في خدمتها وتبوأ أعلى المناصب القيادية في عصرها الذهبي ..

تصوروا لم يشفع تاريخه الحافل والمشرف الزاخر بالانجازات الوطنية والإنسانية..؟!

لم يشفع ذلك الرصيد الضخم (بتكريمه) بما يليق وينسجم ومكانته الابداعية المرموقة في قلوبنا وحياتنا من خلال ماقدمه من بصمات وعطاء متميز وشم في ذاكرة الوطن الفنية، رغم أننا نسمع ونقرأ في الصحف عشرات المكرمين في ظل غياب المعايير والمقاييس ممن يجيدون نسج العلاقات العامة (الدراويش) أصحاب الوساطات بمختلف أشكالها وأنواعها، لقد سبق فناننا الزيدي الجميع (وكرمنا بفنه الراقي والأصيل) .



شاركنا بتعليقك