آراء واتجاهات
الثلاثاء 03 ديسمبر 2019 07:13 مساءً

كيف أدى إضعاف الشماليين إلى تقوية الحوثيين ومنع استعادة الدولة؟

عبد الناصر المودع

سيجد الكثيرون بأن استخدام مصطلح شمالي وجنوبي لا يليق ذكره من شخص مؤمن بأن الوحدة اليمنية هي قدر نهائي للشعب اليمني؛ غير أن التحليل السليم لسبب قوة الحوثيين ومنع استعادة الدولة، يتطلب ذكر الأمور بمسمياتها الحقيقية بدون مواربة.

في البداية ينبغي الإشارة إلى الحقيقة الهامة التالية: أن الدولة اليمنية لن تُستعاد دون الهزيمة الكاملة للحوثيين، أو اخراجهم من العاصمة صنعاء، ومعظم مناطق الشمال، وخاصة مناطق الساحل، وعزلهم في منطقة صعدة، على أقل تقدير. ودون هذا الأمر لن يكون هناك دولة حقيقية في اليمن لديها حكومة يعترف بها العالم وتسيطر على كل أو معظم مناطق اليمن وبالذات المناطق الإستراتيجية التي تشمل الموانئ ومناطق الثروات الطبيعية.

 فالحوثيون لا يمكن أن يسيطروا ويحكموا اليمن كلها، ويحصلوا على اعتراف دولي بهم، كما أنهم لا يمكن أن يكونوا جزء من نظام تعددي أو نظام محاصصة جهوية أو مذهبية.

وعدم التمكن من هزيمة الحوثيين، حدث لأسباب عديدة؛ غير أن تهميش وإضعاف الشمال والشماليين والذي تم من قبل السعودية والإمارات، والسلطة الحاكمة الجنوبية، كان السبب الرئيسي في ذلك بالنظر إلى المعطيات التالية:

أن الحوثيين ينتمون لمناطق الشمال وبالتحديد منطقة الهضبة العليا، ومعظم الدعم والمقاتلين لهم يأتون من هذه المنطقة.

 منطقة الهضبة العليا، والتي تقع العاصمة صنعاء في وسطها، هي المنطقة الحصينة من اليمن بسبب تضاريسها الوعرة وقسوة طبيعتها، وكثرة عدد سكانها، ولهذا فإنها تحتوي على عدد كبير جدا من المقاتلين شديدي المراس على مدى التاريخ. وقد أجاد الحوثيون استثمار مؤهلاتهم الحربية في صالحهم، وهي الإجادة النابعة من خبرة واسعة أكتسبها ومارسها الأئمة في اليمن لأكثر من ألف عام، والذي يعد الحوثيون امتدادا عضويا لهم.

نسبة سكان الشمال، والجنوبيين من أصول شمالية يعادل 85% من عدد سكان الدولة، وهذه الحقيقة تجعل منهم الطرف الرئيسي في معادلة السلطة والنفوذ في اليمن، وتهميشهم خلال الفترة الماضية أدى إلى خلل بنيوي استثمره الحوثيون من خلال الادعاء بأنهم الممثلين لمصالح الشماليين.

يعتبر الحوثيون الشمال مناطق سلطتهم التاريخية، ولهذا فإنهم غير مهتمين، على الأقل في الوقت الحالي، بالمناطق الجنوبية، وخلال الفترة الماضية وبالتحديد قبل سيطرتهم على صنعاء، أوصل الحوثيون للجنوبيين رسائل بأنهم غير مهتمين بالجنوب، وبعد الحرب لم يخوضوا قتال جدي للبقاء في الجنوب، حيث انسحبوا بسهولة من معظم مناطق الجنوب بدون قتال فعلي، وتحديدا بعد هزيمتهم في عدن. وخلال وجودهم في الجنوب حاولوا تسليم الجنوب لفصائل جنوبية من الحراك تابعة لإيران (فصيل حسن باعوم) وغيرها من الفصائل الجنوبية التي لا تزال متحالفة معهم.

هناك لوبي جنوبي قوي مقرب من دوائر الحكم في السعودية والإمارات من مواطني هاتين الدولتين ينحدرون من اصول جنوبية، وتحديدا في الإمارات، وقد ساهم هذا اللوبي في خلق تعاطف داخل دوائر الحكم في الدولتين مع الجنوبيين، وفي الوقت نفسه ساهم هذا اللوبي في تشكيك تلك الدوائر بالشماليين، واعتبارهم غير جادين في محاربة الحوثيين. وقد تناغم هذا اللوبي مع رؤية جزء من النخبة الحاكمة السعودية التي ترى بأن من مصلحة السعودية تقسيم اليمن، ومنعه من أن يكون دولة واحدة.

بحكم أن رئيس اليمن ومعظم المسئولين في سلطته جنوبيين؛ فقد حصل الجنوب على أهمية كبيرة لدى دوائر الحكم في السعودية والإمارات؛ في المقابل من يمثل الشمال في السلطة هم قوى لا تثق بهم السعودية كحزب الإصلاح والناصريين، ولهذا فليس هناك من ممثل حقيقي للشمال في الرياض تثق به السعودية وتصغي لصوته.

نجح الجنوبيون في التسويق بأنهم أكثر إخلاصا للسعودية والإمارات في مقابل الادعاء بأن الشماليين غير جادين في محاربة الحوثي وأنهم متعاطفون مع الحوثي. ويدلل هؤلاء على ادعاءاتهم، بسرعة خروج الحوثيين من الجنوب وبقائهم في الشمال، وهو ادعاء يفتقد للدقة؛ فالحوثيون كما ذكرنا وأكدته الوقائع، مركزهم الشمال، ولم يكونوا مهتمين بالجنوب، ولهذا انسحبوا منه بكل سهولة. 

 

من مصلحة معظم القوى الجنوبيين {هادي وجماعته (الزمرة) المجلس الانتقالي (الطغمة) وأصحاب المشاريع المناطقية كالحضارم} أن لا يُهزم الحوثي وأن يبقى يحكم الشمال وممثلا له؛ فهؤلاء يدركون بأن هزيمة الحوثي لن تتم إلا على يد قوة شمالية (الإصلاح أو المؤتمر أو كليهما) وهذا الأمر في حال حدوثه سيؤدي بشكل تلقائي إلى إعادة مركز الثقل السياسي في الحكومة والدولة للشماليين، وسيعيد السيطرة على الجنوب من قبل القوة المنتصرة، ولن يكون للسعودية من مصلحة كبيرة لمنعهم من إعادة السيطرة على الجنوب ضمن مشروع استعادة الدولة اليمنية. وبقاء الحوثي في صنعاء يجعل السعودية وربما الإمارات متواجدة في الجنوب لتحميه من الحوثيين، ومستمرة في تقديم المساعدة للقوى الجنوبية، وتعزيز نفوذهم داخل السلطة الشرعية.

بسبب اعتماد هادي على السعودية والإمارات بعد الحرب ونتيجة لتعاطف هاتين الدولتين مع الجنوبيين؛ فقد هيمن هؤلاء على مفاصل السلطة اليمنية، وكانت معظم المناصب الرئيسية في السلطة من نصيبهم؛ فعلى سبيل المثال أكثر من ثلثي السفراء في الخارج جنوبيين، وبالتحديد في الدول المهمة كالدول الكبرى ودول مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة. وكذلك الحال بالنسبة للوزراء ورؤساء الهيئات المختلفة. والمسئولون الشماليون في السلطة ضعفاء وتحت رحمة هادي وفريقه الحاكم، والذي بيده تعيينهم وعزلهم بكل سهولة.

 يعاني المواطنون الشماليون في المحافظات الجنوبية، وتحديدا في عدن والمحافظات المجاورة لها، من الاضطهاد والتمييز وهم محرومون من أي حقوق سياسية ولا يسمح لهم بتقلد الوظائف الحكومية، أو الانتساب للقوات العسكرية والأمنية، إلا فيما ندر، ووضعهم في هذه المناطق أشبه بوضع اللاجئين وليس المواطنين، وقد منع هذا الوضع من تحول عدن عاصمة مؤقتة للدولة، وهو التحول الضروري لإنشاء سلطة حقيقية قادرة على هزيمة الحوثي.

تم رشوة بعض القوى الشمالية في الحكومة الشرعية بالمناصب والأموال، والسماح لهم بالسيطرة على بعض مناطق الشمال كمأرب وتعز، وأهم هؤلاء: حزب الإصلاح، والناصري، وبعض الأشخاص المحسوبين على المؤتمر الشعبي، والقوى الاجتماعية الشمالية. وقد منح هؤلاء هادي وسلطته الغطاء للسيطرة على الحكومة، ومنعوا قيام أي معارضة شمالية للهيمنة الجنوبية على مفاصل السلطة، والنتيجة أن هؤلاء ساهموا في هيمنة الجنوبيين على السلطة.

خلال فترة الحرب نجح الجنوبيون، ومن ورائهم الإمارات والسعودية، في جعل الحرب محصورة في المناطق الشمالية، وتم فرض الحصار البري والبحري والجوي على تلك المناطق، وتم قطع رواتب معظم الموظفين الشماليين، وتم تقييد حركة الشماليين للمناطق الجنوبية.

مارس هادي والكثير من القوى الجنوبية، سياسة تفكيك المجتمع في الشمال، عبر إثارة الأحقاد المناطقية، والطائفية، في مناطق الشمال، وهذه السياسة مارسها هؤلاء منذ سقوط نظام صالح، وزادت حدتها بعد الحرب، والهدف من ذلك هو إضعاف الشمال وجعله منشغلا بمشاكله، ومن ثم السيطرة عليه وفرض واقع قانوني وسياسي يمنح الجنوب هيمنة دائمة على الدولة ضمن نظام اتحادي، أو تهيئة الأرضية نحو انفصال الجنوب.

من كل الحقائق السابقة يمكننا استخلاص النتائج التالية:

عززت الهيمنة الجنوبية على سلطة الجمهورية اليمنية، الحوثيين، كون هؤلاء، كما ذكرنا، ليس من مصلحتهم هزيمة الحوثيين واستعادة الدولة، لأن استعادة الدولة يعني نهاية المشروع الانفصالي والجهوي في المناطق الجنوبية، وكذلك انتهاء سلطة هادي والهيمنة الجنوبية على السلطة.

أدى التهميش الممنهج للشماليين في السلطة، وكذلك الحصار والهجمات الجوية الموجهة نحو المناطق الشمالية، إلى قبول الكثير من الشماليين، وخاصة في منطقة الهضبة العليا، بسلطة الحوثيين والتعاون معهم واعتبارهم سلطة أمر واقع، وكان هذا الأمر واضحا قبل مقتل الرئيس السابق صالح على يد الحوثيين. وحتى بعد ذلك التاريخ لم يتغير موقف الشماليين كثيرا فباستثناء جزء من أنصار صالح، التحقوا في خانة المعارضين للحوثيين؛ إلا أن الغالبية الشمالية إما مع الحوثيين أو في حالة كمون وحياد.

التحليل البسيط والمنطقي للأوضاع في اليمن يدرك بأن الحوثيين لن ينهزموا إلا في حال انخرط معظم الشماليين، وتحديدا سكان منطقة الهضبة، في الحرب ضدهم، وانخراط هؤلاء لن يتم إلا في حال كانت قيادة السلطة الشرعية شمالية، من غير حزب الإصلاح؛ فحزب الإصلاح غير مؤهل لأن يقود سكان الشمال ضد الحوثي بسبب طبيعته المغلقة. وهذه الحقيقة تعني بأن على السعودية -إذا أرادت هزيمة الحوثيين- المساعدة في خلق سلطة شرعية، بديلة عن شرعية هادي المنتهية سياسيا وقانونيا، يكون الشماليون مهيمنون عليها، كون هؤلاء هم القادرون على هزيمة الحوثيين ولديهم مصلحة حقيقية في ذلك.

اتفاق عدن الأخير يؤكد على أن السعودية ماضية في ترسيخ هيمنة الجنوبيين على السلطة، فالاتفاق عمليا يعزز من سلطتهم، وفي الوقت نفسه يمنح السعودية سلطة الوصاية على تلك المناطق، وهذا الأمر سيعزز من قوة الحوثيين في الشمال، حيث سيظهرهم كقوة وطنية في مقابل حكومة جنوبية تحت وصاية سعودية.

السلوك السعودي في اليمن، والذي عزز من هيمنة الجنوبيين لا يُعرف أهدافه بالضبط، ويبدو متناقضا مع الهدف الأساسي الذي خاضت السعودية الحرب من أجله؛ والسؤال هنا هل السلوك السعودي مقصود أم أنه سوء إدارة وتخبط، وناتج عن تأثير الرؤية الإماراتية الهادفة إلى إنشاء دولة جنوبية، وتفكيك الجمهورية اليمنية.

في كل الأحوال لن تستطيع السعودية البقاء في اليمن طويلا وفقا لسياستها الحالية، لأن هذا البقاء يعني عمليا انغماسها في مستنقع الحرب والفوضى في اليمن، والذي يستنزفها سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وانسحاب السعودية الحتمي من اليمن سيخلق واقعا أكثر فوضوية من الوضع الحالي. وسيكون الحوثيون هم أكثر الأطراف المستفيدة منه فيما سيكون الجنوبيون أكثر الخاسرين لأنهم سيجدون أنفسهم وجها لوجه أمام الحوثي والكثير من القوى الشمالية الأخرى، دون حماية كافية من الخارج.

من مصلحة الجنوبيين مثلما هو من مصلحة الشماليين، استعادة الدولة اليمنية، وهي الكيان القانوني الواقعي والمتاح الآن وفي المستقبل المنظور على الأقل، ولن تتم هذه الاستعادة إلا بهزيمة الحوثيين، لهذا فإن مصلحتهم الاستراتيجية تقتضي هزيمة الحوثيين والسعي نحو دولة يمنية واحدة تحقق الحد الأدنى من العدالة والمساواة، بدلا من وهم الانفصال، أو الهيمنة الدائمة على الجمهورية اليمنية، أو وهم إنشاء كيانات جهوية صغيرة محمية من الخارج السعودي أو الإماراتي، فهؤلاء لا يمتلكون القدرة العسكرية والسياسية والاخلاقية لحماية مثل هكذا كيانات لا في الوقت الحالي ولا في المستقبل.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2019