ساحة حرة
الأحد 01 ديسمبر 2019 03:34 مساءً

قصتي ( فتاة الريف إعلامية )

ياسمين الصلوي

في احدى قرى مديرية الصلو من محافظة تعز كنت دون السادسة واصابع قدماي لازالت تعاني من منعطفات الطرق في جبل قريتي الذي يقودني الى مدرسة معلقة طرف قرية مجاورة ،كطفلة كنت احبو بحذر احمل على عاتقي حلم وفي يدي بعض من دفاتر وقلم واحد فقط ، اخاف أن يسقط بين شقوق واحجار الجبل فيضيع مني فتعجز والدتي شراء قلم بديل ، فلطالما تكرر سقوط قلمي بين تلك الاحجار فكنت أحياناً استرجعه واحياناً كثيرة يغوص بعيدا لا تقدر يداي الصغيرة من الوصول إليه فأعود متشبثة بدفاتري التي لا تتعدى أوراقها الأربعين .

كان سبب ضياع أشيائي عدم امتلاكي حقيبة ، فأبي كان حاله كحال اغلب رجال القرية مغتربا في الحديدة يكافح كغيره من أجل توفير لقمة العيش لنا ويجمع ما يستطيع جمعه من مال يقوم بارساله لنا مع سائق السيارة الذي كان يحمل رسائل المغتربين لنساء القرية من حروف وجع البعد ،وبعض من أكياس الرز والسكر ومواد غذائية اخرى .

كنا حينها أطفالًا ثلاثة و امي التي أنجبت فيما بعد باقي اخوتي العشرة فكانت تعاني هي الأخرى من بعد ابي وشقاء القرية ، وكطفلة لم أكن أشعر بهذا كله وجع ابي وكفاحه ومعاناة امي كنت فقط احلم واجتهد في دراستي فكان وقتي مقسم بين المدرسة صباحاً وفي المساء تبدأ رحلتي مع أغنامي وكتب المدرسة باتجاه العشب الدسم أطراف المدرجات التي كنت أستظل تحت احدى الشجيرات استرجع فيها دوروسي واكتب واجباتي واطل بنظري بين الفينة والأخرى ناحية اغنامي ، فكنت احرص إلا تجوع اغنامي ولا تغضب مني مدرستي وهكذا حتى قرب مغيب الشمس .

ومع كثرة المهام التي كانت تتحملها امي تكفلت اختي الكبرى بتعليمي الصلاة منذ صغري وكانت تشجعني على الصوم ولا اتخلى عن هدفي مهما كان وربيت على ذلك النهج .

ومع مرور الايام وظروف العيش بالقرية وغربة والدي الطويلة في الحديدة زارت الاعباء على والدي الذي كان يضطر لتقليص فترة غربته والعودة للقرية بشكل متكرر من أجل علاج امي التي كانت مريضه حينها الامر الذي زاد من حاجته للمال أكثر بسبب تنقلاته المتكرر من القرية إلى الحديدة والعكس فقرر والدي ان ننتقل جميعاً الى ذات المدينة التي يعمل بها بهدف علاج والدتي حيث استقرينا هناك جميعاً .

فتاة الريف في المدينة

كان وصولنا الى مدينة الحديدة متزامنا مع انطلاق عام دراسي جديد حيث قام والدي بتسجيلي في أقرب مدرسة لحينا والتي كان ببالي انها مدرسه كمثل مدارسنا في القرية فاتذكر جيدا أول يوم دراسي لي حيث ذهبت للمدرسة ارتدي فستانا قرويا فيه أكثر من لون لم تكن أمي تعي أن مدارس المدينة تتطلب زيا مدرسيا خلاف أهل القرية ، مع مرور الأيام انخرطت مع نظام المدرسة لكني لم أتكيف بسرعة مع عقليات طفلات المدينة اللاتي ينظرن باستغراب دائم كوني كنت فتاة قروية اللهجة والطباع .

كنت حينها في الصف الرابع ابتدائي لم يكن لدي صديقات بعد ، ولم تقم بإنشاء اي صداقه مع الفتيات اللاتي كُن معي في الصف اللاتي كُن يعتبرن فتاه قروية. وكذلك كان حالهن تجاه احدى الفتيات من فئة المهمشين والتي كانت تجلس وحيدة في آخر الصف تخرج وتدخل وتاكل وحيدة ، فكنت اراقبها دائما فشدتني تصرفاتها كثيرا حيث كان كلما قدم وقت صلاة العصر تذهب للمعلمة تستأذنه وتعود خلفنا تخرج سجادة من حقيبتها و تصلي ، فقمت بالتقرب منها حتى صارت من اعز صديقاتي.

كبرت وكبرت همتي وكبر معهما حلمي الذي رافقني مع ايام عمري بان اكون ( مذيعه واعلاميه ) هذا الحلم الذي ارتبط في ذهني منذ أن اقتنينا في المنزل أول جهاز تلفزيون والذي كان يشدني كثيرا هو ظهور المذيعات في نشرات الاخبار والبرامج فكنت كلما انفردت باغنامي في جبل الصلو كنت أقوم بتقليد المذيعات متخيله اغنامي أنهن جمهوري الذي ينصت لكلامي.

فتاة الريف في الثانويه

بعد وصولي للمرحلة الإعدادية وجدت الحياة مختلفة ، تتطلب كفاح وقوة عزيمة ، كبر أبي وزاد كفاحه ، وكبرنا انا واشقائي ومعهم كبرت مسؤولياته ، زاد مصروفي المدرسي من الخمسة والعشرين الى الخمسين ، فضلت الاحتفاظ بجزء منه لتوفير مستلزمات الدراسة ، أحيانا كثيرة كنت احتفظ بالمصروف كليا حتى لا اطلب من ابي شيئا غيره ففي وقت الاستراحة المدرسية كنت اشغل نفسي بكتابة الواجبات حتى لا أرى صديقاتي يتناولن البطاطة واجوع حتى اني كنت اذهب إلى خلف الصفوف انا وصديقتي عبير حتى تنتهي استراحة اليوم وثم نعود للفصل ، انا كنت احتفظ بمصروفي من أجل احتياجاتي من الدفاتر والاقلام أما عبير كانت لا تحصل على مصروف إطلاقا نظرا لظروفهم المعيشية القاسية حيث كان والدها حمالا وامها تعمل شغاله في المنازل . ففي هذه المرحلة من عمري شعرت بتعب أبي وبدأت اطمح الى جانب الحلم ان اخفف عليه من مسؤولياته.

قبل تخرجي من الثانوية العامة فكرت كثيرا لماذا رغم نشاطي وحصولي على درجات عالية لا احصل على شهادة تقدير ؟! ربما كان تساؤلي متأخرا! أثناء الدراسة في المراحل الإعدادية والثانوية كان التنافس قوي بيننا نحن الطالبات وكانت نيتي الحصول على درجات قوية وحب المعلمات ورضاهن عني ، هذا ماكنت افكر بها ربما النية مهمة للحصول على الشيء !لم أكن أفكر أو اطمح في الوصول لمرحلة الأوائل ربما هي غلطتي ،

قبل اختبارات الثانوية العامة شعرت بحزن اني ساغادر المدرسة بدون شهادة اوائل وكان سؤال المعلمات يوجعني كثيرا :- ياسمين ليش ما اجيتي أوائل ؟! درجاتك عاليه جدا ... روحي راجعي . مع اعلان نتائج كل مرحلة كنت أسمع هذا السؤال كثيرا من معلماتي ، كانت الاجابة تعلق في حلقي :- مش نيتي اجي اوائل يااستاذه ... اذاكر واجتهد عشان احصل على درجات عالية وسمعة طيبة وذكرى جميله . النية مهمة في حياتنا ومهمة جدا فقد نقصني النية للوصول لاوائل المدرسة خصوصا التنافس القوي وتقارب الدرجات بيني وبين صديقتي عبير.

قبل انتهاء عام الثانوية العامة بأربعة أشهر اصريت ان انوي واجتهد اكثر من اجل الحصول على تكريم واحد على الأقل كانت إحدى شقيقاتي تستفزني مازحه :- عادك ذكرتي باقي اربعة اشهر وتخلصي المدرسة ياحلوة تضيف :- ماكنتي تنوي والا درجاتك ترفع الراس والله ومدرستك ياسمين ياسمين .. حتى هند اختك وسعدية لما يعرفين انهن اخواتك يقولين لهن كونين مثل ياسمين .

وكأن النية التي نسيتها طوال مراحل الدراسة زارتني مرة واحدة اجتهدت اكثر ، اختفت عن أنظار الجميع اعتكفت على الكتب والملازم وبعد مرور شهر من الترم الاول اختارتني إدارة المدرسة مع صديقتي سمية في مسابقة شاركت بها مدرستنا على مستوى المحافظة ، كان اختيار المدرسة لي في ان أمثلها خطوة نجاح كبيرة اسعدتني كثيرا رغم أن المسابقة لم تتم بسبب عراقيل واجهت إدارة المدارس المشاركة ، في منتصف الشهر الثاني قررت المدرسة إجراء اختبارات لطلاب الثانوية العامة ولاول مرة في تاريخ المدرسة تجرى اختبارات بتلك الصعوبة ، كنت سعيدة لأنني وجدتها فرصة لتحقيق مااريده عكس صديقاتي ، كنت اتلذذ كل سؤال صعب اصادفه في كل ورقة اختبار ، بعد إكمال الاختبارات أعلنت مربية الفصل أن الدرجات اسوء ما صادفت منذ ثلاث سنوات كنت أرى نظرات امتنان تجاهي لن انسى نظراتها اللطيفة لي ماحييت ، صرخت وصاحت مستائه من الطالبات لكنها كانت كلما جالت بنظرها على الصف وتوقفت عندي شعرت بها مبسوطة مني ، أحسست بفرحه لذيذة .

في صباح اليوم الثاني بعد تجمعنا في طابور الصباح ، والذي كنت احرص أن أكون الأولى فيه ، حتى أنني كنت أغادر المنزل مبكرا لأجل ذلك ، تجمعنا وصوت استاذتنا سامية يدوي في أزقة المدرسة :- على جميع الطالبات الحضور إلى ساحة الطابور . كنت احبها لسبب انها معلمة التاريخ المادة التي كنت استمتع بدراستها جدا ، ذلك اليوم وقبل بدا برنامج الطابور وقفت معلمتنا سامية الذاري تقول في ميكرفون المدرسة :- هذا العام بكرم صف اول مرة اتشجع أكرمه لأن في تلميذات يستحقون ذلك والذي جعل من دفعة هذا العام أنجح الدفع اللي مرت لثلاث أعوام .

كانت عينيها تجاهي وكأنها تخاطبني شعرت بلذة فرح وبكاء لن انساها ماحييت . فاح اسم صديقتي سامية كانت الهدايا مرتصه على طاولة ذهبت سامية الى المنصة وسلمت على استاذتنا ومعلمات الصف الثالث الثانوي وحصلت على شهادة تقدير وهدايا كثيرة ، لم اكترث للهدايا رغم كثرتها بقدر شغفي للشهائد ، مرت لحظة و استعدت المعلمة لإعلان الاسم الثاني الذي سيكرم ضمن الأوائل ومع صمت جميع الطالبات صدح اسمي من بين ثنايا معلمتي أصبت برعشة وفرحة جعلتني اتخيل اني أرى حروف اسمي مثل حمامات بيضاء تحلق فوق جموع طوابير الصفوف في سماء المدرسة.

كانت فرحة بحجم الكون أن تكرم وتنجح وتحقق ما أردت ، كانت أول شهادة أوائل احصل عليها بعدها بعشرة ايام زارتنا مجموعة هائل سعيد لتكريم أوائل المدرسة وطلبت من إدارة المدرسة إدراج الطالبات الاوائل للمرحلتين الوزارية التاسع والثالث الثانوية ولاول مرة ، كنت انا وسامية نجهل ان نكرم لان مرحلتنا وزارية مثل كل عام لا تكرم ، أتت الشركة بهدايا كثيرة ، كنا نشاهد الطالبات ينحدرن من السلالم اتجاه الطابور وانقلبت المدرسة رأسا على عقب ، حينها قررت سامية أن نستاذن من مسؤولة الطابور عدم الحضور من أجل مراجعة قبل الاختبار وقبلت طلبنا ، كان فصلنا في الخلف تفصل بينه وبين ساحة الطابور فصول جلسنا انا وسامية على طارود الفصول الخلفية نقلب الكتب ونحدد الفصول ، بدأ صوت المسؤول عن التكريم يدوي بعد اختتام برنامج اليوم ، وصل إلينا اسم سامية :- سامية محمد محسن الأولى ثالث ثانوي أدبي ب، تركت سامية الكتب والقلم وذهبت تتسلق الدرج وتقفز كانت سعيدة وانا سعيدة لأجلها توقف الصوت برهة ظننت أن التكريم لاسم واحد من كل صف ، اطليت براسي من الطارود وسامية تركض بقوة وفرحة اتجاه الممر المؤدي إلى ساحة الطابور حتى دوى صوت اسمي بعدها مباشرة :- ياسمين عبدالحفيظ الصلوي الثانية أدبي ب ، التفتت سامية تنظرناحيتي إلى الأعلى وتقفز وهي تقول وانتي الثانية هيا تعالي فلحقتها ووصلنا سويا حصلنا على الشهائد واكياس ثقيلة كان بها منتجات الشركة كنت قد حصلت على شهاديتين والثالثة نهاية الترم الأول تكريما من إدارة المدرسة انتهاء العام وبحقيبتي ثلاث شهائد ، ليس من الصعب أن تحلم وتفكر وتطمح أن كنت متأخرا يكفي انك حلمت وهناك متسع من الحياة .

فتاة الريف في الجامعه

تخرجت بمعدل 85 ، كان معدلي ومعدل صديقتي سامية التي حصلت على 88 أقوى المعدلات في قسم الأدبي على مستوى المديرية ، كانت نفسيتي راضية لم اندم اني حلمت يوما ولا لاني سهرت ولا اني تعبت تعبا لذيذا وشعرت اني اخترت مايناسبني انا وليس الآخرين . قبل اختيار التخصص في الثانوي واجهت ضغوطات كثيرة من الأهل والمقربين باختيار القسم العلمي ورفضت واخترت مايمليه لي ميولي وهذه شخصيتي لا احب اقتراحات الآخرين في اشيائي المستقبلية أحب ميولي واختار ما يناسب تطلعاتك حتى انه وبعد الثانوية صادفت أحد الذين كانوا يحاولون إقناعي بدخول القسم العلمي قال لي :- انتي شابة ناجحة ياياسمين ... تعرفي ليش لأنك لا تتأثري بفضول الآخرين بما يخص مستقبلك . وأضاف :- طالبة الأدبي نجحت واللي شافوا أنفسهم بالعلمي رقدوا .. المجد لك يابنت الصلوي .

كان خالد شقيق صديقتي آمل المقطري ، حاول إقناعي دخول قسم العلمي من أجل أقسام الطب كونه طبيبا لم يكن يعلم اني حلمي في الإعلام خلق معي وشب معي . كنت بحاجة لأن تصل كلماته لأولئك القرود من المقربين والذي كانوا يستميتون في الشماته بي بدخولك قسم الأغبياء في نظرهم وياليتهم نجحوا كانوا يشمتون بتخصص الأغبياء وانتهت المعركة انا نجحت بمعدل ال80 ومعدلاتهم لن تتجاوز ال60 وحده الجامعات الخاصة التي تبيع العلم بالمال احتضنتهم واحتضنتني كلية الفنون الجميلة الوحيدة في الجمهورية وبعد اختبار قبول ليس بسهل .. واكتفيت بعبارات الفنانة احلام ( اللي مايصون العناب حامض عنها يقول.

بعد تخرجي من الثانوية وجدت عاما يفصلني عن الجامعة كان لابد الاستعداد والتخطيط ، ناقشت والدتي موضوع دراستي الجامعية مع أبي لكنه رفض بحجة ( أخواتها ما تعلموا قدها زي اخواتها) لم يكن ابي ظالما بهذا ، فقط تفكيره خاطئ كان يظن أنه من العدل أن لا اكمل دراستي مثل شقيقاتي التي كانت رغبتهن عدم إكمال التعليم عكسي .

كان أقوى تحدي واجهته بحياتي ، أختي التي تعيش في محافظة جنوبية بعيدة كانت وزوجها طوق نجاة ، لطفية وزوجها مختار هم من اقنعوا ابي بالسماح لي بدراسة الجامعة لكن واجهتني مشكلة أخرى ، بعد أن اقنعوا أبي ترك شرطا قاسيا وهو أن تكاليف الدراسه لا دخل له بها سوا مصروف لا يتعدى مائتين ريال كل يوم فقط ابي طيب القلب كان يظن أنه بذلك يعدل بيني وبين شقيقاتي ، تقبلت الشرط وقررت أن اجتهد في تجميع مصاريف التسجيل وكل ما سوف تحتاج ، قررت إعطاء دروس لأطفال الحارة في الإملاء ، أمهات الأطفال رحبت بفكرة المشروع وتجمع أطفال الحارة أفواج كنت افصل بينهم فترات على ثلاث يوميا .

وبحسب الحالة المادية لكل أسرة كنت اتقاضى المستحقات أحيانا كنت اعفى كثير من الأطفال بسبب الظروف المعيشية ، شعرت انه مشروع ناجح وتغير هدفي منه فبدل من انه مشروع لجمع المال فقط استعداد لدخول الجامعة تحول لفرصة لتعليم الأطفال القراءة المبكرة والإملاء بعد أن وجدت أن كثير من المدارس الحكومية تعليمها هش للغاية وهدف بعض المعلمين راتب وليس تنشئة جيل فقد استطعت من خلال هذا المشروع خدمة هؤلاء الأطفال الذين وجدتهم في صفوف متقدمة ومستواهم متدني للغاية وكذلك جمعت مبلغ لا يتجاوز الثلاثين ألف ، مبلغ به دفعت رسوم العام الجامعي ، واتذكر اني اشتريت عباية أنيقة وحذا ابيض يشبه حذا سندريلا وأشياء أخرى .

ولان حلني لا زال معي منذ طفولتي فقد تقدمت لكلية الفنون الجميلة قسم اذاعة وتلفزيون والتي كانت الخطوة الأولى نحو تحقيق حلمي بأن أصبح إعلامية

وأتذكر في اول يوم لي في الجامعة ذهبت خجولة كنت أشعر بهيبة المكان وقدسيته ، كليه الفنون الجميله لها طابع خاص وروحانية أكثر رغم إهمال الإدارات التي مسكت الكليه ، صباح ذلك اليوم ذهبت مبكرا حتى أنني وجدت ساحة الكلية الفسيحة جدا مع اشجارها الكثيفة هادئه قبل وصول الطلاب ، وحدها الخاله أمنه تتجول تجمع القمائم من ساحة الكلية .

شعرت بخوف كنت وحيدة ، جلست بقربها كانت تنتقل من مكان لآخر وكنت انتقل معها ، احببتها جدا رغم كبر سنها إلا أنها تتمتع بروح شابة ، في ذاك الصباح حكت لي كثرا عن حياتها ، تعمل فراشه من أجل توفير مصاريف ابنتها التي تدرس في أحد الجامعات الخاصة قسم تمريض ، شعرت أنه لا بد من الكفاح من أجل تحقيق الهدف .

مرت الايام وتعودت على أجواء الجامعة وتعرفت على صديقة من عدن تدعى إلهام سعدت بها كثيرا وباتت رفيقة العمر طيلة دراستي الجامعية وحتى الآن أول لقاء بيننا في غرفة الاستديو في الكليه جلست خلفي انتابني فضول من هي ومن أين تكون ، كانت محاضرة تغيب دكتور المادة ، جلست جانبي وتعرفنا على بعض ، اتذكر انه كان في يدها مفتاح سياره ، بعد أن سألتها أجابت :- مفتاح سيارة بابا اسوقها. ظننتها تكذب ، كنت ايام المدرسه قد تعرضت لكذبة من إحدى الصديقات ، خدعتني انها تقود سياره لذلك ظنت أن الهام تكذب ، ليس من السهل أن تقول فتاة من أسرة غنية فتاة ميسورة الحال تقود سيارة !؟ خرجنا من باب الاستديو ، أشارت بسبابتها كانت رصاصية اللون أنيقة وعدتنا بمشوار انا والزميلات ، عادت كل واحدة منا تستأذن من أهلها ، صباح اليوم الثاني عدنا للكلية سعيدات وبعد انتهاء المحاضرة انطلقنا بسيارتها في اتجاه الدوار ، حيث أقمنا يوم نزهة جميلاً مرحنا غنينا وسعدنا جدا .

فترة الدراسة كانت معركة كفاح ، لم اتنازل حينها عن طلاب الدروس الخصوصية ، رغم ماتعرضت له من إرهاق وتعب إلا أنني صبرت من أجل أن لا أطالب ابي باي مصاريف ، كنت أحب الاعتماد على النفس والاكتفاء واحزن على والدي كلما طلبته أي مساعدة ، من الصعب أن تعود من جامعتك بعد الثانية ظهرا وتجد أربعة أطفال بانتظار دروسك ناهيك عن السهر وتعب المذاكرة ، في ايام كثيرة كنت أذهب إلى الجامعة بدون نوم واعود مرهقة حد الإغماء لكن بذلك استطعت توفير كل مااحتاج بمساعدة العظيم أبي الذي كان قد رفض تقديم أي مساعدة لي أسوة باخواتي لكنه تراجع وقدم لي مااستطاع .

وجدت تشجيع من شقيقاتي وامي أيضا وبعض اخواني ، كنت مجتهده بقدر مايكفي لتميز وكانت خاله أمنه تدعو لي كلما أخذت لها خبزة من البيت لكي تفطر ، شقيقتي نبيله كانت تحرص أن تستيقظ مبكرا لتجهيز خبز الطاوة من أجل الخاله أمنه الذي عرفت قصة كفاحها مني .

في آخر عام حصلت على شهادة تكريم الاوائل كانت إلهام الأولى وسهام الثانية وأنا الثالثة ، حضرت التكريم أمي وشقيقاتي كفى ونبيله ، كان تكريما قويا حضره مسؤولين وشخصيات بارزة على رأسهم محافظ المحافظة ، حصلت على مرتبة الثالثة على الدفعة في المعدل النهائي ، كنت سعيدة لأنني رغم الكفاح حصلت على هذه المرتبة.

يوم من ايام الدراسه لن انساه في حياتي كان عام تشهد البلاد فيه ثورة شعبية ، حدثت أزمة مشتقات وانعدمت المواصلات وارتفع سعرها ، كنت امشي مسافة لابأس بها إلى من باب الكليه الى جولة الشهداء حيث يمروا باصات على الماشي ، كنت أقف مالا يقل عن نصف ساعة انتظر يمر باص ، كان نادرا مايمر باصات من تلك الجولة ، كانت الشمس تحرق بساطها بشرتي البيضاء تحت الأسود ، وتتعب رجلي من الوقوف الطويل ، مره تجرأت وطالبت من رجل المرور في تلك الجولة بوضع كرسي انتظار لكنه تعذر وقال أنه قد حاول كلما رأى طلاب الكلية يقفون تحت الشمس لساعات طويلة ، كنت تتعرض للمعاكسة باستمرار من رجل قبله ، الناس في ذلك الحي متوحشين جدا حتى رجل مرور كان يقف في تلك الجولة ، كنت اطنش من يمر لكنني لم أستطيع تحمل ذلك الرجل ، كان ينتظر وصولي بفارغ الصبر ، ويبدأ بعبارات وتلميحات والمشكله كنت اضطر للوقوف والانتظار حتى يفتح الله علي بباص ، في يوم وبعد أن نفذ صبري ، قررت مواجهته فتلك الجولة باتت بيتي اقف يوميا ولدقائق طويلة وساعات أحيانا ، ذهبت له حيث يقف ينظم حركة السير ، وبخته وأمطرت عليه عبارات السب والشتم فهمته أن دورة تنظيم الحركة في المكان وليس معاكسة الفتيات ، كنت غاضبة تركته صامت تفاجئة من ردة فعلي بعد أن كنت اتجاهل تصرفه كل يوم ، قررت أن اواصل للبيت مشيا بعد أن وجدت الشارع شبه خالي من المركبات بسبب ماتشهده المدينة من أزمة المشتقات ، واصلت السير كان صيفا بامتياز والشمس وقت الظهيرة لا ترحم ، الساعة بعد الثانية ظهرا ، لنصف الشارع كان مزدحم بالماره عكس المركبات ، رائحة السمك المقلي على الفحم والأرز والخبز الملوج جعلتني أشعر بالجوع اكثر ، اتذكر اني فتشت حقيبتي كثيرا لم يكن بها سوا خمسون ريال كنت قد احتفظت به للباص وأوراق الاختبارات التي اجريتها لصغاري الطلاب وراجعت الإجابات في الكلية وقت استراحة المحاضرة ،

شعرت بالجوع كثيرا لكني استطعت أن اصل إلى نهاية الشارع ، وقبل أن أصل إلى جولة الأربعين التي تفصل الشارعين وجدت مساحة خضراء كان رجل مسن يقوم برشها ، قبل أن اصل إليه كنت أشعر بدوار شديد أكاد أسقط مغميه كنت قد فقدت سوائل كثيرة ومعدتي على لحمها من ليلة البارحة ، لطفا من الله أن وصلت لذلك المثلث ، جلست على الرصيف ، حاولت أكابر خوفا من زنقلة بعض المارة فهمني ذلك الرجل الذي كان يرش أشجار ذلك المثلث، اقترب مني وسألني :- ايش فيك يابنتي ؟ . فهمني دون أن اتحدث ، كنت امسك براسي وأرى الدنيا تدور حولي وكل شيء سألني ايضا :- بنتي ... جيبي فلوس بشتري لك ماء . لم يكن يعرف أني لا أملك سوى خمسين ريال واني لم اذق الفطور ولا شيء آخر .

ذهب لبقاله قريبه واعطاني ماء داخل كيس بلاستيكي ، كان قليلا وباردا ، شربته تحسنت كثيرا ، سألني من اكون ومن أين ، وماذا يحدث لي ، كان طيبا كثيرا وفقيرا وجائعا مثلي تماما ، وصلت للمنزل وأنا امشي بحذر وادعوا الله أن أصل لأهلي بخير خصوصا أن شقيقتي هند اتصلت بي مرات عدة تسأل عن سبب تأخري ، وامي كانت قلقة كثيرا ، وصلت للبيت كنت متعبه جدا وحده الطفل ماجد الذي كان ينتظر وصولي ليعرف درجته في الاختبار عاد لي وعي حين رأيته يقفز بعد أن عرف درجته وفرحة الطلاب محمد وحسين .

أكملت الدراسة وتخرجت على فرص عمل كثيرة ، كنت محتاره في اختيار العمل لأي مؤسسه اعلاميه ما لبثت شهور إلا وأغلقت جميعها بفعل الحرب ودمرت أخرى ، صورة مكتبي المحطم في إحدى المؤسسات الإعلامية التي كنت قد بدأت العمل بها لم تجعلني ايأس فكرت باستغلال الوقت واقتحام الدورات التدريبية ، على أمل أن يصلح الحال ويحظى الصحفي بحرية الرأي والقلم .

فلذة النجاح بعد الكد والاجتهاد له نكهة خاصة تشعرك بعظمة الانتصار .

للتفاصيل بقية .....


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2020