آراء واتجاهات
الأحد 05 مايو 2019 10:41 صباحاً

ذكريات رمضان (صيام وغزل)

ناصر الوليدي

كان عمري حينها أثنا عشرة سنة وهي المرة الأولى التي عزمت فيها على الصيام، كنت أنتظر رمضان بالأشواق وأحسب أيام شعبان يوما يوما، ذلك لأني سأخوض تجربة جديدة في حياتي، حيث سيسمح لي هذه المرة بالصيام كما وعدتني أمي . 

كان الناس ينصتون في أحواش دورهم وعلى سطوح البيوت إلى الإذاعة علهم يسمعون خبرا عن رمضان،؛أما أنا فكنت مصرا على أن رمضان سيكون في الغد حيث لا طاقة لي على الانتظار إلى بعد الغد، ومن فوق سطح بيتنا المبني بالحجارة جاءني الخبر السعيد (السعودية تعلن أن غدا أول أيام رمضان) فكنت أصرخ بصوتي مطلا على من في الحوش من الأهل :
(بكرة رمضااان : بكرة رمضااان) وكم كانت صدمتي كبيرة حيث سمعت عمي يقول : إذاعة عدن تقول رمضان بعد غد، ونحن مع بلادنا و(على واليها ولا على قاضيها) طبعا لم أفهم المثل لكني أيقنت أنهم لن يصوموا مع السعودية، وكنت أجادل على ضرورة الصيام مع السعودية فهي (بلد النبي) وضاعت صيحاتي في زحمة انشغال الأهل بأعمالهم، ومر الوقت طويلا وأنا أرقب اليوم الثاني، وجاء اليوم الثاني يتدفق كأنه أضواء النهار التي تسيل على الروابي.

كان من كمال متعتي بالصيام أن أمارس كل طقوسة وتفاصيله، فأيقظوني للسحور، فكانت فرحتي تصارع النعاس وسعادتي تطرد الكسل حتى جلست على صحفتي أتلذذ بلقيمات(الغرة) كما يسميها الناس عندنا وكانت لذتي بمعايشة أجواء السحور ومعانقة لحظات قبيل الفجر ألذ عندي من تلك اللقيمات من (المعصوبة) التي فرضت علي كوجبة إجبارية .

جاء الصباح فأنطلقت إلى المدرسة فرحا مسرورا وكأني أريد أن يعلم جميع الطلاب والمدرسين أني اليوم صائم، نسيت نفسي فكنت أركض في ميدان المدرسة في شدة الحر وألعب مع زملائي المفطرين كرة القدم، وكادت الفتنة أن تعصف بي حين مررت بجانب بائعات السكريم تحت إحدى الأشجار في ساحة المدرسة، طبعا لم تكن فتنة العاشقين الناظرين إلى تلك الفتيات الجميلات فسنهن وسني لم يكن آنذاك قد فهم لغة العيون والجمال والغزل، ولكنها فتنة قطع السكريم المثلجة والملونة وشرائح البطاطس المصبوغة بالبسباس الأحمر،

قرع جرس المدرسة ذلك اليوم وقد بلغ مني الجهد مبلغه، جفت شفتاي ويبس حلقي وأنهكت قواي وصدّع رأسي، عدت إلى البيت منهكا أصب الماء على رأسي وأسحب رجلي كأني عجوز فانية تجر عشرات السنين على عظام ظهرها البالية .

ولجت البيت حيث لا كهرباء ولا مراوح، فاستلقيت بثياب مدرستي ولم أفق إلا على صوت أمي وهي توقظني لأرعى الغنم الساعة الثالثة عصرا، ولا عذر لي في رعي الغنم فالليلة نوبتي في الرعي، صببت الماء على جسدي المنهك وعلى رأسي الفائر ولبست ثيابي المهلهلة وبحثت عن (الشنابل) واتجهت إلى زريبة أغنامي لأفتح لها الباب ، فتنطلق إلى طريقها وهي تستجر طعامها وتنتظر منه المزيد، تمنيت يومها أن الغنم تصوم رمضان مثلنا نحن البشر حتى نستريح من رعيها في رمضان، وكنت أمشي وراءها وهي تثير في وجهي غبار الطريق وأنا أتذكر الأخبار التي كانت تقصها لنا العمة (آمنة بنت فضل) عن رعي النبي صلى الله عليه وسلم للغنم في شعاب مكة وكيف كانت فاطمة ابنته تساعده في ذلك وكيف كانت الأغنام تكلم فاطمة وتقص لها الأخبار.

أرسلت في وادي (محسا) أغنامي وتنقلنا من مكان إلى مكان حتى وصلنا إلى جبل (عطاء) وكنت أتنقل بين الأشجار طلبا للظل، وبين الحين والاخر أنظر إلى الشمس وأقيس المسافة المتبقية على غروبها، وكلما تقدم الوقت زاد عطشي والتهبت أقدامي، حتى شعرت أن حلقومي يكاد ينقطع من العطش وشعرت أن شفتيَّ تحولتا إلى قطعة خشبية يابسة.

كانت الشمس تزحف نحو الغروب فبدأت أسحب أغنامي بالتدريج للعودة إلى البيت ولم يكن مسموح لي بالعودة إلى البيت قبل غروب الشمس فإن فعلت فالعصا ستكون عقابي.
قادتني قدماي وأغنامي للجلوس في ظل (سمرة) ضخمة رأيت أن أوقف الغنم عندها حتى يكتمل الوقت المتبقي، ولكن وقع مالم يكن في الحسبان .

وجدت في ظل هذه الشجرة (طربال) ماء يتبع بعض أصحاب النحل (المنوبين) من قبيلة باكازم { محمد صالح دافق و النظام }، والماء عذب زلال من بئر (العرم) العذبة، ورأيت النحل يروي ظمأه من القطرات المتساقطة من فيّ الطربال، شعرت أني فقدت القدرة على المقاومة ولم يبق من الأذان سوى 45 دقيقة، فكنت مترددا بين الصبر والانهيار ونظرات من عينيّ الزائغتين الظامئتين إلى القطرات المتساقطة تصيبني بالفتنة والسكرة التي لا قبل لي بها وكأنها نظرات عاشقين ألتقيا بعد فراق سنين فكنت كما قال الشاعر :

سقوني وقالوا لا تغنِ ولو سقوا
جبال حنين ماسقوني لغنتِ

سعت قدماي دون إرادتي إلى الطربال وحلت أصابعي الوكاء وكنت في حالة غيبوبة من الوعي، جثوت على ركبتي بين الشجيرات التي تستظل تحت السمرة، وضعت فمي في فم السقاء وتركت للمياه الحرية في أن تداعب شفتيّ وتتسلل إلى حلقومي المحترق وتهبط في معدتي الفارغة، ووضعت رأسي تحت دفقات الماء المتصببة من الطربال فشبع رأسي وثيابي ووجهي ومعدتي وارتوى حلقومي وانطفأت النيران المشتعلة في جوفي، وغسلت ذراعيَّ وأقدامي، وأعطيت لأغنامي الاشارة بالعودة إلى البيت .

لم أخبر أحدا بجريرتي، وظن الأهل أني مازلت صائما وجلست أنتظر أذان المغرب الذي ستنقله إذاعة عدن من مسجد الهاشمي بالشيخ عثمان .

وفوق سطح بيتنا جلسنا ننصت خاشعين إلى آيات من الذكر الحكيم ترسلها إذاعة عدن قبيل أذان المغرب ثم سمعت المذيع يقول :
"حان الان موعد أذان المغرب حسب التوقيت المحلي لمدينة عدن وضواحيها"

وانطلق صوت المؤذن وانطلقت معه الأيادي لتناول الفطور وأنا أشعر بالندم والخزي من فعلتي التي فعلتها، والأهل يربتون على كتفي ويمسحون على رأسي يشجعوني على هذا الانجاز العظيم .


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2019