آراء واتجاهات
الأربعاء 05 ديسمبر 2018 11:39 مساءً

الأمم المتحدة ودورها في اليمن : انتكاسات متلاحقة

فضل مبارك

 

يحفل تاريخ الأمم المتحدة ومايسمى مجلس الأمن الدولي بالكثير من الانتكاسات والأخفاقات والفشل في حق الشعوب والدول المستضعفة ..إذ أنه لم يحصل قط أن حققت الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي نتائج إيجابية في توجهاتها وقراراتها المتخذة على مدى تاريخها لصالح تلك الدول والشعوب قدر انتهاكها ومؤامراتها ضد تلك الدول والشعوب لصالح القوى الاستعمارية الكبرى ..حيث وقد تحولت هيئة الأمم ومجلسها من عامل مساعد لتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين وإقرار حقوق الشعوب والدول الصغيرة والمستضعفة إلى عصا غليظة بيد القوى والدول الكبرى لنهب ثروات تلك الدول والهيمنة عليها واستعادة استعمارها بطرق العصر الحديث .. وبحق فإنه خير توصيف لمجلس الأمن أن يطلق عليه مجلس الحرب الدولي وذلك بالنظر إلى تلك الحرائق والحروب التي اشعلها في أكثر من بقعة من العالم ..ولنا في سجلات التاريخ الحديث عديد شواهد جلها وقائع العقدين الأخيرين بدءا من العراق مرورا بسوريا وليبيا واليمن وغيرها ..
ولعل من أبرز تلك الانتكاسات في سجل الأمم المتحدة هي عدم تنفيذ قراراتها حيث تظل مجرد حبر على ورق أو مجرد رقم يسجل في إطار تسلسل القرارات المتخذة للترويج الإعلامي وذر الرماد على العيون . وفيما كنا خلال النصف الثاني من القرن المنصرم نتأسى على قرار مجلس الأمن 242 الذي ظلت تلوكه الألسن وتستشهد به الكتابات والخطابات فإن السنوات الثلاثين الأخيرة حملت من تلك القرارات الكثير التي لم تنفذ على واقع الأرض على الرغم من حصولها على الأغلبية في أصوات الأعضاء أو الإجماع مايضع أمام المجلس أكثر من تساؤل : إذ كيف تتخذ دول المجلس قرارات بمحض إرادتها ولا تقو على تنفيذ معظمها إلا مايحلو للدول الأقوى وتحديدا امريكا بشكل أساس وتتبعها إلى حد ما روسيا وبريطانيا. والأمثلة على ذلك كثيرة أكان في العراق أو البوسنة والهرسك كامثلة على قوة التمثيل وفي لبنان وليبيا واليمن وغيرها في عدم التنفيذ ..
إن هذا الأمر يقودنا إلى مسلمة بديهة لاتحتاج إلى جدل ولا يشوبها شك وهي أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي قد أصبحا مطية بيد تلك الدول المتصرفة في شيؤن دول العالم وتتخذ من هيئة الأمم والمجلس ذريعة لتحقيق كثير من أجنداتها وأهدافها أكان في التدخل وفرض السيطرة على تلك الدول والشعوب أو بهدف تغيير الحكام الذين يسعون للتمرد على توجهات واشتراطات القوى الكبرى .
وإذا مانظرنا إلى مبعوثي الأمم المتحدة إلى تلك البلدان الملتهبة في الوقت الراهن نجدهم في مهماتهم فإنهم قد تحولوا من ميسرين لإيجاد تقارب وتوافق بين أطراف الصراع الى حكام وفارضي أمر وبذلك لم يجنوا أي ثمارا إيجابية لصالح الشعوب والدول التي ابتعثوا اليها بل إنهم عملوا على توسيع رقعة الأزمة وأطالة امدها ولنا في اليمن في راهن اليوم حكايات لاتنسى مع أربعة من المبعوثين الاممين وبالنظرة الموضوعية إلى حصيلة عملهم وماتمخض عنها في ضؤ المهام التي أسندت لهم نجد بأنهم قد عملوا على تعقيد الأوضاع أكثر مما كانت عليه وعملوا على خلط كثير من الأوراق من خلال تقديم إفادات مغلوطة أو مبنية على حسابات وهمية أو غير حيادية تخدم أطراف بذاتها الأمر الذي ترتب عليه اتخاذ قرارات في مجلس الأمن غير مبنية على أسس موضوعية بدءا من مااسفرت عنه مهمة الأخضر الإبراهيمي الذي عمل على خيانة الأمانة التي أسندت له ما أفضى إلى الكارثة التي لازالت تداعياتها حتى اليوم مرورا بجمال بن عمر الذي عمق الأزمة اليمنية وعمل على خلق فتنة وتأجيج الصراع بين القوى السياسية بدلا من تذويب الفوارق بينها وقطع فتيل الأزمة في مهدها وكذلك إسماعيل ولد الشيخ الذي تمددت الأزمة في ظل مبعوثيته وصولا إلى مارتن جريفيت الذي جاء يكحلها وعماها كما يقول المثل الشعبي وخيب آمال البسطاء الذين اعتقدوا انه جاء حاملا في جعبته الحل السحري غير مدركين بأنه جاء وفي يده قميص يوسف ليسوق من خلاله مشروع تلك القوى الكبرى الرامي إلى مساواة الضحية بالجلاد بل وتهيئة الظروف والمناخات أمام الجلاد لينفذ بجريمته ويكافا عليها . إضافة إلى تغاضيه عن الحديث عن المرجعيات الثلاث الأساسية المتفق عليها والتي تشكل مرجعية أساسية لأي حل للأزمة اليمنية .
إن المتابع لتحركات وجولات وتصريحات جريفيت يدرك مدى التلاعب الذي يبديه الرجل من أجل خلق تعقيدات جديدة أمام الأزمة والناي بعيدا بمشروعية وإمكانية حل الأزمة وحسمها حيث وأنه من خلال الدور الذي يقوم به والذي لاشك بأنه يأتي تماشيا وتنفيذا لاجندة الدول الكبيرة التي تأخذ من الأمم المتحدة شماعة لتمرير مخططاتها فإنها تدير الأزمة ولا تعمل على إيجاد حلول لها بدليل أنها لم تقم حتى اللحظة بالسعي الجاد لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2216 قدرما كالت عليه هالات من تراب النسيان وتعمل على أضعاف دور الحكومة الشرعية لصالح مليشيات الحوثي من خلال الضغط المستمر على الشرعية ومنع تقدم قواتها أكثر من مرة في أكثر من جبهة وآخرها جبهة الحديدة لأكثر من خمس مرات بل ومؤخرا خلقت من نفسها طرفا بدل أن تكون وسيطا بين أطراف النزاع من خلال مقترحها بإدارة ميناء الحديدة وهي خطوة خطيرة إذ كيف تجرد حكومة شرعية معترف بها من إدارة شيؤن بلادها وتصادر حقها ناهيك عن الانحياز المفضوح والسافر لصالح مليشيات الحوثي من خلال عدم اتخاذ اية إجراءات رادعة لمواقفهم الرافضة لقرارات الشرعية الدولية وعدم انصياعهم للالتزامات وآخرها مشاورات جنيف وستعقبها بلا شك مشاورات السويد على الرغم من تلبية كافة شروطهم على حساب موقف الشرعية المتوافق مع ماهو معلن من موقف أممي ..وفي حقيقة الأمر يتبدا أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن يسعيان إلى القفز على القرار 2216 واستصدار قرار جديد وفق معطيات أخرى وهو مايتجلى من خلال الإصرار المتعمد بصورة مباشرة حينا وغير مباشرة أحيانا أخرى لتعطيل هذا القرار وعدم الالتفات إليه .
كذلك فإنه يمكننا التنبيه إلى أنه حتى اللحظة منذ اندلاع المواجهات لم نسمع قيام الأمم المتحدة أو الدول الكبرى بأي إدانة لما أقدمت عليه مليشيات الحوثي من تفجير للحرب بل على العكس فهي لم تنظر لها كجماعة خارجة عن القانون بل تعاملها وتصر على معاملتها كطرف ند وقوي تسعى إلى فرضه في مواجهات سلطات البلد الشرعية .

كم هو حري بالأمم المتحدة في سياق مراجعاتها لدورها أن تعمل على إيجاد آلية ملزمة لتنفيذ قراراتها وان يتساوى أمامها الجميع دون انتقاء ..حيث وان قراراتها لم تسقط بالتقادم قدر مايهال عليها التراب في الرفوف وتصبح عدما على الرغم مما يمكن أن تحدثه هذه القرارات من أثر إيجابي في السلم والأمن الدوليين أن هو جرى تنفيذها والعكس أيضا صحيح عندما يتماهى المجلس ويتراخى عن تنفيذ قراراته .
=====
* مداخلة قدمت في ورشة عمل نظمها مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان الاثنين الماضي حول جهود المبعوث الأممي في وقف الحرب والانتقال للعملية السياسية .


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2018