ساحة حرة
الأربعاء 05 ديسمبر 2018 10:34 مساءً

رجلان أسطورتان من لحج

محمد عباس ناجي

تاريخ شعبنا يحمل بين دفتيه أسماء كثير من الرجال والنساء العظام الذين اجترحوا مآثر بطولية رائعة يمكن تخليدها كعبر مشرفة للأجيال القادمة.. ولكن مع الأسف الشديد ان هذا التاريخ لم تهتم به القيادات الجنوبية ولم تسع الى تدوينه فتم تزيفه او تشويهه.. ومع ذلك نجد غيرنا يقومون بتدوينه ونشره.

وفي هذه العجالة سنذكر مأثرتي رجلين أسطورتين من لحج تحدثت عنهما الوثائق البريطانية.. وتكمن قصتهما انه اثناء الاحتلال البريطاني لعدن يوم 19 يناير 1839م كان يقود المقاومة العربية الجنوبية في أعلى قمة جبل صيرة (علي بن سلام العبدلي) وهو ابن شقيق السلطان محسن فضل العبدلي سلطان لحج حينها .. وفي اسفل القلعة يقود المقاومة العربية الجنوبية الشيخ المجاهد راجح العزيبي.. وكانت بنادق المقاومين ابو فتيلة بينما القوات البريطانية تتسلح باحدث الأسلحة.

وحينها كان العلم الوطني للسلطنة العبدلية ذو الشكل المربع واللون الأحمر وفي وسطه سيفان يخترقهما قلم يرفرف على قمة قلعة صيرة.. فبدأت المدفعية البريطانية بقصف القلعة فتمكنت من اقتلاع صارية الراية العبدلية.. فوثب ابن اخو السلطان لإعادة رفع العلم الذي كان قد تمزق فواصلت المدفعية البريطانية قصف القلعة حتى دمرتها بشكل كامل.

فتوقف إطلاق النار من قبل المقاومين فصعد الجنود البريطانيين الى قمة القلعة فاندهشوا ان الراية العبدلية مازالت يد إنسان مغمور بين الأنقاض ترفعها وهو يصرخ بأعلى صوته ( الثبات.. الثبات يارجال). ولم يكن يعلم ان رفاقه مطمورين تحت الأنقاض قد صعدت أرواحهم الى جوار ربها.. فقام الجنود البريطانيين بانتشاله من بين الأنقاض.. فوجدوا رجل يده ترفع العلم والأخرى قد بترت من الكتف ولم يبق الا الجلد ممسكا لها ولديه إصابة أخرى خطيرة في فخذه فأسعفوا ذلك الرجل ومعه جريح أخر ليتم علاجهما ولم يعرفوا ماهيتهما بعد.. فكان ذلك الرجل الذي بترت يده كما قال الطبيب البريطاني (( يرقد وسحنته هادئة لكنها مع ذلك معبرة ومنعزلة عن كل ما يدور حوله باستثناء نظرة عطف ألقاها على رفيق جريح كان ينازع سكرات الموت بالقرب منه)) يعني انه لم يكن يهتم بجراحه وإنما مهتما بمرؤوسه.. ياله من موقف عظيم.

ويواصل الطبيب حديثه (( وبعد ان انتزعت يد هذا الرجل منه ناوله احد عديمي الإحساس من الرجال اليد. فأخذها ورماها بكل ازدراء بعيدا عنه)). وعندما اخبر الطبيب انه قائد المقاومة نهض الطبيب ورفع قبعته وأحنى هامته إجلالا لشجاعته واستبساله.

اما قائد المقاومة في اسفل قلعة صيرة الشيخ المجاهد راجح العزيبي فقد أصيب بإصابة خطيرة وهو يحاول مواصلة حشو بندقيته. فتم اسره.. فعبر عن رغبته الأخيرة بان تسلم بندقيته لابنه ولفظ أنفاسه في ذات اللحظة.. وحينها أدرك هينس مغزى رغبته انها وصية لابنه بمواصلة طريقه.. طريق العزة والشموخ.

رحم الله هذان الفارسان الأسطورتان اللحجيان واسكنهما فسيح جناته ومعهما كل شهداء الجنوب الإبرار.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2018